أنطونيو غوتيريش (الأمين العام للأمم المتحدة) في حفل افتتاح المنتدى العالمي الحادي عشر لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة
صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير خارجيةالمملكة العربية السعودية،
أصحابالمعالي والسعادة،
حضراتالضيوف الموقرين،
أشكرالمملكة العربية السعودية على استضافتها هذا المنتدى، وعلى حفاوة استقبالها.
إن منالمناسب للغاية أن نجتمع في هذه الأرض ذات الأهمية الدينية العظيمة للنهوض بقضيةالحوار العالمي بين الأديان.
ونجتمعبمناسبة الذكرى السنوية العشرين لتحالف الحضارات - الذي رأى النور تحت قيادة صديقيالعزيز وسلفي الراحل كوفي عنان.
وأشيدبالجهتين الراعيتين للتحالف - حكومتا إسبانيا وتركيا - وبالالتزام الثابت لمجموعةالأصدقاء.
وأتقدمبالشكر للممثل السامي ميغيل موراتينوس - وجهود سلفيه: الراحل جورج سامبايو والسيدناصر عبد العزيز الناصر.
أيهاالأصدقاء الأعزاء،
قد يحاولالبعض أن يضرب بأهداف تحالف الحضارات عرض الحائط باعتبارها طوباوية.
بادّعاءأن الحوار والتعاون ولى زمنهما – لأنهما على درجة من اللين تجعلهما غير مناسبينلمواجهة عالمنا القاسي.
وهممخطئون.
فمهمةتحالف الحضارات مهمة جسورة. ومهمة أساسية. ومهمة تلح أكثر من أي وقت مضى.
إنكم هناتحديدا لأنكم لا ترون العالم بنظارات وردية.
بل ترونهكما هو - بكل تناقضاته.
إننا فيحقبة من التقدم المذهل - لكنها مكبلة بالغرائز القديمة.
في زمنابتكار لا هوادة فيه - لكنه مسموم بانقسامات قديمة وأدوات تضليل جديدة، أسفرت عنانتشار إنكار محرقة اليهود، وتأجيج الكراهية التي أدت إلى مذبحة الروهينغيا،وتأليب المجتمعات ضد بعضها البعض لتدمير التماسك الاجتماعي للمجتمعات.
وإننا فيعصر نسمع فيه الحديث عن السلام - ومع ذلك تتكاثر الحروب؛
ونسمعتعهدات بالازدهار - ومع ذلك تتعمق أوجه عدم المساواة؛
ونسمعوعودا بالتقدم - ومع ذلك يتم التسامح مع المعاناة الإنسانية على نطاق مذهل.
وهذه هيمفارقة عصرنا: نحن موصولون أكثر من أي وقت مضى - ومع ذلك نحن منقسمون أكثر من أيوقت مضى.
وفي هذاالعالم المتصدع، هناك طريقان أمامنا.
طريقينزلق أكثر في الانقسام - في اتجاه عالم تتكاثر فيه الجدران وتتلاشى فيه الثقة،وتزداد فيه الأسلحة وتقل فيه الإنسانية.
والطريقالآخر - وهو الطريق الأصعب - الطريق الذي لديكم الشجاعة لسلكه - ويفضي إلى الحوار.
إلى بناءجسور التواصل بين الأديان والثقافات والحضارات، وينقلنا جميعا إلى مكان أفضل.
يُعترففيه بالتنوع كمصدر للثراء وليس كتهديد؛
ولا تمحىفيه الاختلافات، بل تحتضن؛
وتسوىفيه النزاعات لا بالقوة، بل بالتفاهم واحترام القانون الدولي.
أيهاالأصدقاء الأعزاء،
إن طريقبناء الجدران يسير. وهو يتغذى على الخوف. ويلجأ إلى استغلال الغضب.
أما طريقبناء الجسور فصعب. وإنه يتطلب الشجاعة. ويتطلب العزم.
وإنيأشكركم على سلككم ذلك الطريق الصعب.
فلا توجدمهمة أكثر حيوية من هذا اليوم.
إنهاأساسية لتحقيق السلام المستدام.
فلاتدمير آخر في غزة وغيرها.
ولاتجويع آخر في الفاشر وغيرها.
ولامجتمعات أخرى تذبح أو تطرد أو تُتخذ كبش فداء.
لقد حانالوقت لإنهاء هذه الحلقة المفرغة من الموت والدمار.
ولهذاالسبب يجب أن يحذو العالم حذوكم ويستعيد القيم التي توحدنا.
أصحابالمعالي والسعادة،
يمكنناالقيام بذلك بتسخير ثلاثة عوامل قوية للتغيير الإيجابي.
أولاً،الشباب.
فأربعونفي المائة من البشر تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و 24 عاماً - وهو الجيل الأكبروالأكثر ارتباطاً بالإنترنت في التاريخ.
وسواءعبر الإنترنت أو خارجه، يكتشفون أحلاماً مشتركة وتحديات مشتركة.
إنهميقودون في مجال العمل المناخي، ويقودون الابتكار الرقمي، ويبنون حلولاً محلية،ويدافعون عن حقوق الإنسان.
ومع ذلكيتم إقصاؤهم بصورة اعتيادية من عملية اتخاذ القرارات التي تشكل حياتهم.
وإنيأثني على التحالف لفتحه الأبواب أمام أصوات الشباب.
وأرحببالوجوه الشابة التي أراها هنا اليوم - بما في ذلك المشاركون السابقون في مبادراتمن قبيل صندوق التضامن للشباب، ومركز الابتكار المشترك بين الثقافات، وبرنامج بناةالسلام الشباب، وبرنامج بلورال بلاس.
وأحثالدول الأعضاء على وضع ثقة أكبر في الأجيال الشابة، وحماية حقوقها، وتعميقالاستثمار في مستقبلها.
ثانياً،يجب أن نبذل المزيد من الجهد للاستفادة من القدرات والإمكانات الهائلة للنساءوالفتيات في العالم.
ففيالعام الماضي، عاشت 676 مليون امرأة وفتاة على بُعد 50 كيلومتراً من أحداث نزاعاتمميتة - وهو أعلى رقم منذ عقود.
وحالالعنف دون التحاق 44 مليون فتاة بالمدارس، وتسبب في نزوح 60 مليون امرأة وفتاة،وأدى إلى زيادة الاعتداءات الجنسية.
وتدفعالنساء والفتيات الثمن الأكبر في الحرب.
لكنهنمنسيات أو مستبعدات من طاولات السلام.
ونعلم أنقيادة المرأة عنصر أساسي لتحقيق السلام العادل والدائم - وهي حقيقة مكرسة منذ 25 عامافي قرار مجلس الأمن 1325.
ولهذاالسبب أطلقتُ التعهد المشترك من أجل مشاركة المرأة الكاملة والمتساوية والمجدية فيعمليات السلام.
وإنيأشيد بالكيانات الـ 42 التي اعتمدته - بما في ذلك المملكة العربية السعودية -وأشجع الآخرين على أن يحذو حذوها.
ويجب أننضمن للنساء بانيات السلام مساحة للقيادة والمشاركة في الحياة العامة - من القانونوالسياسة إلى الصحافة والأعمال التجارية والعلوم وغيرها.
ليسمجرّد متفرجات.
ولكنكمصممات لمستقبل أفضل.
وثالثًا،يجب أن نستفيد من قوة أهل الإيمان.
فكثيراما يتم تحويل الدين إلى سلاح للتفرقة.
ويجب أنندرك ونستعيد قوته باعتباره قوة للرحمة والكرامة الإنسانية والمصالحة - وهي قيممشتركة بين جميع التقاليد الدينية الكبرى.
ويقدمهذا المنتدى مثالاً يحتذى به، من خلال تعزيز الحوار البنّاء بين القيادات الدينيةمن مختلف التقاليد.
وتذكرنامثل هذه التبادلات بأن الإيمان يمكن أن يكون عاملا قويا للتناغم في عالم يزدادتعقيدا وترابطا.
ويجب أننعمل جميعا لإعادة تأكيد التزامنا المشترك بإيجاد عالم يسوده التفاهم والاحترامالمتبادل.
أصحابالمعالي والسعادة،
قبلعشرين عاما، أطلقنا مبادرة للمساعدة في إظهار أن البشرية - بكل تنوعها - يمكنها أنتتحدث وتستمع وتبني معا.
واليوم،أصبحت هذه الرؤية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ويتطلبتحقيقها أداتي الحوار والدبلوماسية الخالدتين.
وغالباما يكون هذا المسعى هادئا ومضنيا وغير مثالي – ولكنه هو السبيل الذي يتم من خلالالتوسط لوقف إطلاق النار، وتأمين الوصول إلى الإغاثة الإنسانية، وزرع بذورالمصالحة.
إنالحوار والدبلوماسية ليسا وسيلتين ساذجتين.
إنهماوسيلتان ضروريتان.
والآنأكثر من أي وقت مضى، دعونا نمضي قدما في روح تحالف الحضارات – بالتحلي بالشجاعة والوضوحوالأمل.
وشكراًلكم.